هل أنت سعيد في حياتك؟ الجزء الثاني

السعادة

التحرك بين المراكز

هذا هو الجزء الثاني من مقالة “هل أنت سعيد في حياتك؟” يمكنك قراءة الجزء الأول من خلال :

http://www.astral4arab.com/2016/03/26/happiness-part-1/

في المقالة السابقة تحدثنا حول كيفية تحصيل السعادة من خلال الحضور في الان. ولكن لم نذكر كيفية الحضور.انه بالطبع من خلال التأمل.التأمل هو أداة لايقاف عملية التفكير. والتفكير هو شكل من أشكال نشاط الوعي.إذا كان الوعي هو بركة ماء صغيرة فالتفكير هو الأمواج التي تجول في تلك البركة ، ولكن الأمواج في حد ذاتها ليست شيء بل فعل، فالأصح القول بأن الماء يتموج بين قمة وقاع ، وبنفس الطريقة التفكير هو الوعي في حالة تموج وحركة بين الماضي والمستقبل ، ومن خلال تسكين الأفكار يمكن أن يتوقف الوعي عن الحركة فنراه كما هو في الحاضر والأن . أنا أتفق تماماً مع من يقول بأن ابقاء الوعي في حالة السكون دائم هو أمر صعب وقد يكون مستحيلاً تماماً كما أنه من المستحيل إبقاء بركة من الماء في حالة سكون في كونها معرضة لكافة المؤثرات الخارجية كالرياح والشمس وغيرها.

ولذا في التأمل نحاول بالمثل عزل انفسنا عن البيئة الخارجية من خلال اختيار المكان الهادئ واغماض العينين وإراحة الجسد. الحفاظ على السكون ومحاربة المؤثرات الخارجية والداخلية يحتاج الى جهد وتدريب ،هذا حتى ترى الحقيقة الدفينة في هذه المسألة ، السكون لا يتم خلقه من خلال ايقاف الحركة بل إن الحركة تقوم بتشويش السكون وخلق الاضطراب فيه. السكون هو الأساس والذي انبثق منه التفكير وليس العكس، البحر الساكن موجود في أعماق البحر الهائج وقبل هيجانه كان الماء ساكناً ، الكون بأكمله قبل أن يوجد لم يكون يوجد هناك سوى السكون.

لا يجب عليك محاربة شيء خلال التأمل فقط يجب ان تنقل وعيك الى مستوى أعمق الى السكون الموجود داخل الفوضى ، السكون حاضر دوماً وموجود طوال الوقت في قاع عقلك  ، أنت لا تخلقه ولا تحاول إيجاد شيء جديد ،أنت فقط تحاول اعادة اكتشافه ،زيارته ،البقاء فيه.

في اللحظة التي ترى السكون وتعيشه ستتمكن من فهم طبيعته ، وستدرك أنه كان طوال الوقت موجوداً ، هو لم يكن أبدا غير متوفر أو غير موجود، إنه مثل النجوم في السماء موجودة طوال الوقت ولكن لا تراها في النهار فقط لانها تُحجب بأشعة الشمس، هذا يعتبر بنظري أحد المبادئ الجوهرية التي يتم ادراكها مبكراً خلال مراحل الممارسة للتأمل.بعد التأمل السكون لا يرحل فجأة ، عندما نفتح اعيننا وننهي التأمل فالتأمل لا ينتهي. جزء بسيط من السكون يرافقك خلال الأنشطة الأخرى التي تمر بها بعد التأمل ، السكون موجود ولكن شعورك به يقل تدريجياً ويظهر على شكل صفاء للذهن يرافقك لعدة دقائق أو ساعات بعد نهاية التأمل وتشعر به وتعرف مكانه في رأسك وإن أغلقت عينيك يمكن لك ملامسته بذهنك مجدداً والدخول فيه بشكل أسهل من السابق ، لذا يصبح التأمل أسهل مع الممارسة لأنك تعرف مكان السكون داخل عقلك كما تعرف نقطة السكون في مركز إعصار هائج.

بكثرة ممارسة التأمل والهدوء العقلي سوف تكتشف صورة جديدة لنفسك ، أكثر إتزان ، وتمركز ، وسعادة ،هذا يتركك مع حيرة كلما زادت المسافة بين نفسك “المفكرة” ونفسك “الحاضرة” ، الأولى تصادفها خلال أغلب يومك وحياتك والثانية تصادفها خلال التأمل ، وتدريجياً تشعر أكثر وأكثر بالمسافة بين هاتين النفسين ، مسافة تدرك لديك هذا الإحساس الغريب بعدم معرفة “من أنت” لشدة الإختلاف بينهما.

النفس المفكرة هي تطور طبيعي للإنسان ، في الماضي كان البشر معنيين أكثر “بالعيش” بدلاً من التفكير ، بالبقاء في الحاضر أكثر من المستقبل والماضي ، تدريجياً بدأ التفكير يحتل مساحة أكبر من الحياة اليومية للإنسان ، ومع الحضارة الحديثة أصبحنا نفكر أكثر بكثير مما نعيشه ونحياه في الواقع ، حياتنا اليومية منذ اللحظة الأولى التي نستيقظ فيها هي تصارع للأفكار ..فكرة هنا وفكرة هناك ، وعينا مستنزف في هذه العمليات المتتالية والتي لا تنتهي ، وحتى خلال النوم لا تنتهي سلسلة الأفكار هذه ، ولذا تلاحقنا تلك الأفكار إلى أحلامنا.

السبب وراء الكثير من الحزن والمعاناة في الحياة الإنسان هو كونه نسي كيف “يعيش” ، كيف يبقى في الأن والحاضر ، والحاضر كما ذكرنا هو كل ما نملكه ، فالمستقبل ما هو إلا حاضر لم يأتي والماضي مجرد حاضر إنتهى ، فليس لنا سوى الحاضر لنعيشه فقط.

الشعور بالتمايز بين نوعين من النفس ناتج عن إنتقال بين المراكز ، وعيك ينتقل من الإرتكاز الكامل في العقل إلى الجسد ثم إلى جسدك الطاقي وإذا كنت صبوراً بما يكفي فإنه سوف ينتقل إلى جسدك الأثيري.

وجسدك الطاقي لا يهرم ، سيكون كما هو في كل مرة تشعر به، إذا حاولت أن تشعر به الأن فسيكون كما هو بعد 20 أو 40 عاماً. الجسد الطاقي ملاصق للجسد الفيزيائي أو المادي ، لذا بدفع وعيك إلى الجسد المادي فأنت تدخل بوابة وجودك اللامادية ، الوجود الذي لا يخضع لتأثير الزمن. حاول الشعور بجسدك وستجد بالفعل بأن قدرتك على التفكير تضعف ، الوعي تدريجياً ينتقل من الرأس إلى الجسد.

جرب هذا في الصباح أو قبل النوم ، هذا تمرين يوصي به روبرت بروس وإيكارت تول وغيرهم كثير. عندما تذهب إلى النوم أو تستيقظ منه في اللحظات الأولى ، فقط قم بغمر جسدك بالوعي ، حاول في البداية أن تشعر بكل جزء منه بشكل منفرد ، القدم ، اليد ، البطن وهكذا…ثم إشعر بكامل الجسد بكليته – بجميع أجزاءه وأبقي وعيك فيه. ثانياً ثم بتحريك الوعي على شكل أمواج في جسدك من الأقدام حتى الرأس ، إشعر بالوعي يأتي إليك ويغمرك على شكل أمواج كأمواج البحر، هذا يساعدك بشكل كبير على تصفية ذهنك وزيادة إسترخاء جسدك ، كما أنه يساعدك بالإحساس أكثر بجسد الطاقة الخاص بك ، الجسد الذي لا يناله تأثير الزمن.

أبقي على هذا التمرين لمدة 10 دقائق فقط في كل مرة. بعد ذلك إفتح عينك وستشعر بإحساس مختلف ، الأشياء كما هي ولكن الطريقة التي تراها بها تصبح مختلفة ، الألوان براقة أكثر ، الأصوات واضحة أكثر ، جميع الحواس تعمل بشكل أفضل ، هذا على الأقل ما يبدو عليه ، ولكن في الحقيقة لم تصبح أي من حواسك أفضل من السابق ، فقط أنت لم تكن تعطيها أي إنتباه ،وعيك بالكامل كان يرتكز في الصور والحواس العقلية ، لم تجرب سابقاً الإحساس بالجسد الأن وفي الحاضر. حاول أن تحافظ على إحساسك بالجسد بعد نهاية هذا التمرين ، حاول أن تبقى واعياً بجسدك كإحساس خفيف في قاع رأسك ، تعرف أنه هناك طوال الوقت وتستطيع أن تعود إليه فور إغماضك لعينيك. عندما تحدث شخصاً حدثه وأنت واعي جزئياً بجسدك ، عندما تستمع إلى شخص أيضاً ، إستمع إليه ليس بالعقل فقط بل بجسدك ، عندما تمشي – تأكل- تعمل ، كل شيء تقوم به في هذه الحالة ستشعر فيه بإبداع أكبر – طاقة أكبر – وسعادة أكبر.

بعد أن تكون قد أتقنت نقل وعيك إلى جسدك المادي ، فإنه سوف ينتقل تدريجياً إلى جسدك الطاقي أكثر وأكثر ، وتقل المسافة بين نفسك المفكرة ونفسك الحاضرة…أكثر وأكثر…

2 thoughts on “هل أنت سعيد في حياتك؟ الجزء الثاني

  1. gada 2 أبريل، 2016 at 8:08 م

    رائع

اترك تعليقاً